ابن الحسن النباهي الأندلسي

232

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

ونضيف الآن إلى ذلك من الأقوال في المسألة ما يأتي بعد على التقريب ، وإن كان قد مرّ حاصل مجموعه ، فنقول : تبرّكا بإعادة الكلام في الحديث النبويّ : ثبت في كتاب البخاري باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمور الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة كما قال - عليه السلام - لهند : « خذي ما بكفّيك وولدك بالمعروف » قال ابن خلف في شرحه ما نصّه : اختلف العلماء في القاضي يقضي بعلمه . قال الشافعيّ : وأبو ثور : جائز له أن يقضي بعلمه في حقوق اللّه وحقوق الناس سواء ، علم ذلك قبل القضاء أو بعده . وقال الكوفيّون : ما شاهده الحاكم من الأفعال الموجبة للحدود قبل القضاء أو بعده فإنّه يحكم فيه بعلمه إلّا القذف ، وما علمه قبل القضاء من حقوق الناس لم يحكم فيه بعلمه في قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : يحكم فيما علمه قبل القضاء . وقال طائفة : لا يقضي بعلمه أصلا في حقوق اللّه تعالى وحقوق الآدميّين ، وسواء علم ذلك قبل القضاء أو بعده ، أو في مجلسه . هذا قول شريح والشعبيّ ؛ وهو قول مالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد . وقال الأوزاعيّ : ما أقرّ به الخصمان عنده ، أخذهما به ، وأنفذه عليهما ، إلّا الحدود . واحتجّ الشافعيّ بحديث هند وأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قضى لها ولولدها على أبي سفيان بنفقتها ، ولم يسألها عن ذلك بيّنة ، لعلمه بوجوب ذلك عليه . وأيضا فإنّه متيقّن بصحّة ما يقضي به ، إذا علمه على يقين . وليست كذلك الشهادة ؛ لأنّها قد تكون كاذبة أو واهمة . وقد أجمعوا على أنّ له أن يعدل ، ويسقط العدول بعلمه ، إذا علم أنّ ما شهدوا به على غير ما شهدوا به . وينفّذ في ذلك ولا يقضي بشهادتهم . ومثال ذلك أن يعلم بنت الرجل ولدت على فراشه ؛ فإن أقام شاهدين على أنّها مملوكته ، فلا يجوز أن يقبل شهادتهما ، ويبيح له فرجا حراما . وكذلك لو رأى أنّ رجلا قتل آخر ، ثمّ جيء بغير القاتل ، وشهد أنّه القاتل ، فلا يجوز أن يقبل الشهادة ؛ وكذلك لو سمع رجلا طلّق امرأته طلاقا بائنا ، ثمّ ادّعت عليه المرأة الطلاق ، وأنكر الزوج ذلك ، فإن جعل القول قوله ، فقد أقامه على فرج حرام ، فيفسق به ، فلم يكن له بدّ من أن لا يقبل قوله وبحكم بعلمه . واحتجّ أصحاب أبي حنيفة بأنّ ما علمه الحاكم قبل القضاء إنّما حصل في الابتداء على طريق الشهادة ؛ فلم يجز أن يجعله حاكما ؛ لأنّه ، لو حكم به ، لكان قد